“أشواق” تاهت في متاهة الحب… فانتهت
هنا كانت البداية حينما حط طير الحبِّ في قلبها ، صغيرة في سنها و لكنها كبيرةٌ في قلبها و خلقها و إيمانها ، لم تكن حياتها كبقية الفتيات ، كانت من القلة الذين غرقوا في صفحات الكتب في زماننا ، لم تكن تصدق أو تفكر بأن للحبِّ روضة ، روضةٌ مليئة بالزهور الحمراء الجميلة و الرقيقة ، لم تكن تعلم بأن للحب قصة و حكاية و معاناة ، كان إيمانها و حبها لله و رسوله يشغلان تفكيرها ، و إصلاح أمتها يملأ عقلها ، كانت تبحث بين الحين و الآخر عن صورةٍ واضحة للدنيا ، صورة ترسم بها نقاط الحياة .
مع كل ما كانت تفكر به إلا أنها كانت وحيدة ، انطوائها الأزلي أسرها ، جعلها تعيش في عالمٍ بنته بنفسها ، فكلما رأت شيئاً حولها استغربته ، كانت رفيقة غرفتها و دفاترها ، تكتب القصص و تنثر الأشعار ، و لكنها وحيدة ، كانت تبحث بين صفحات الأوراق عن الحنان ، تبحث عن كلمة جميلة تملأ قلبها و وجدانها ، و في الوقت ذاته كانت تتجاهل ما يدور في خلدها ، و عندما تحس برغبة في أن تشعر بالدفء و الحنان تتجه إلى أمها ، و لكن حياتها و انعزالها جعل قلبها بعيداً عمن حولها بعداً شديداً فلم تعرف كيف تتوجه إلى أمها و تطلب منها حضناً دافئاً ، أو قلباً حنوناً ، ففي كل مرة تعود أدراجها خائبة ، لتدخل غرفتها من جديد و تتجاهل ما تريد .
و في كل مرة تعود فيها تبكي بحرقة و تجلس تصلي بين يدي الله ، حتى يزول ما كانت تشعر به من خيبة الأمل، و هكذا …
بالإضافة إلى أنها بدأت في هذه الفترة بالدخول إلى الإنترنت و البحث عما يفيدها ، إلى أن رأت منتدىً مرّ بين الصفحات التي تبحث بينها عن أمرٍ ما ، و علمت من عنوانه أنه للشعر و الشعراء ، فقصدته لترى حينها ذلك العالم الآخر ، جابته و أعجبت به و قامت بالتسجيل فيه ، و من ثم بدأت بكتابة أشعارها فيه ، و سرَّها أن ترى تعقيب الآخرين و نقدهم لكلماتها التي عاشت حياتها أسيرة الورق .
و في ذات يوم دخلت إلى المنتدى لتجد بأن ضيفة جديدة قد حملت رحالها و أقامت بين صفحاته ، و عندما قرأت اسمها فيه ، أعجبت به ، فقررت أن تقرأ ما تحمله الضيفة الجديدة ، و بالفعل بدأت بقراءة أشعارها و كتاباتها ، و قد سحرها أسلوبها في الشعر ، فلم تكن تسمح لقصيدةٍ واحدة تضعها تلك الضيفة بأن تمر دون قراءة و تعقيب و دراسة ، فالأسلوب كان أعلى من أسلوبها هي ، فكانت تستفيد مما تقرأه و تستمتع بجماله .
و ما هي إلا فترةٌ قصيرة حتى علمت بأن هذه الضيفة تود الرحيل ، و الأسباب … لا علم لأحد بها سوى الضيفة و إدارة المنتدى ، و حاولت فتاتنا الشابة ” أشواق ” إقناعها بالعدول عما عزمت الأمر عليه و لكن دون جدوى .
و بدأت أشواق بمحاولة للبحث عن البريد الإلكتروني الخاص بتلك الضيفة و لكن لم تجده ، و جلست بين جدران الحزن وحيدة كعادتها ، بعد أن كانت تشعر بقرب تلك الفتاة منها ، فليست وحدها فتاتنا التي كانت تقرأ كتابات تلك الضيفة ، بل و الضيفة أيضاَ كانت كذلك ، فكانتا تتبادلان النقاش بسعادة .
و لم يمض يومان على ترك الضيفة للمنتدى حتى وجدت أشواق رسالة كانت قد وصلتها من تلك الضيفة و التي علمت منها أن اسمها أمل ، فسارعت إلى فتحها لتجد فيها ، بريد الفتاة الضيفة ، و رغبتها بمواصلة التواصل مع أشواق ، و سُرَّت أشواق لذلك .
و مرت الأيام و مضى شهر ، و الفتاتان لا زالتا تتواصلان معاً ، و قد عرفت كلًّ منهما أموراً كثيرة عن الأخرى ، و ذلك من خلال تبادلهما للرسائل ، و لكن فرحة فتاتنا الشابة أشواق لم تتم ، فكانت تود أن يبقى التواصل مستمراً طوال فترة العطلة الصيفية و لكن أمل كانت تود المغادرة إلى قريتها و التي يعيش فيها أفرادٌ كثر من أقاربها ، و فوجئت أشواق بالأمر لأن أمل لن تستطيع التواصل معها ، ففي قريتها لا تملك حاسوباً ، و بالنظر إلى أوضاع أسرتها المتوسطة إلى حدٍّ ما ، لم تكن أمل لتستطيع أن تحصل على حاسوب في قريتها المتواضعة .
و حزنت أشواق لذلك فما زالت العطلة الصيفية في بدايتها ، و لا تريد أن تعيشها وحيدة ، و تريد ان تبقى على تواصل مع صاحبتها ، و هنا أخبرتها أمل بأنها ستعطي لأخيها رائد و الذي تثق به و بالتزامه كلمة السر الخاصة ببريدها و من خلاله ستستطيع أمل أن تعرف أخبار أشواق و الاطمئنان عليها ، و ستستطيع أشواق معرفة أخبار الأخرى و الاطمئنان ، حيثُ أنَّ رائد كان يكبر أخته كثيراً و كان يعمل ،فلم يكن بمقدوره أن يذهب لقضاء العطلة في القرية ، حيثُ أنَّ الأسرة بحاجة له و لعمله فهو سندٌ لأبيه و أسرته ، و ذلك لأنه وحيد أبويه مع أختان هما أمل و أخرى صغيرة جداً كانت لا تزال في بداية المرحلة الإعدادية .
و في البداية كانت أشواق بإيمانها تخشى أمر التواصل مع أمل من خلال أخيها ، إلا أن أمل بددت مخاوفها و شكوكها و طمأنتها ، فبدأت أشواق بالارتياح للأمر و لم تكن تلك البريئة المؤمنة الصغيرة تدري من عواقب الأمر شيء .
أما بالنسبة لرائد هذا فكان ممن سرقتهم الدنيا في بداية شبابه و مراهقته و لكن الله يهدي من يشاء ، فهداه الله للاستقامة و جعلَ منه تلميذاً لشيخٍ و عالمٍ قدير من علماء الدين ، و قد كان رائد من محبي الشعر و الشعراء ، كما كان من كتاب الشعر أيضاً ، فرأى أن من أفضل الوسائل كي يعلم أخبار أشواق و يوصلها لإخته هي بأن يقوم بالانضمام إلى المنتدى ذاته الذي كانت فيه فتاتنا أشواق ، فهو لم يرد إحراجها أو إزعاجها ، و هو أيضاً لم يكن يتوقع و لو للحظة أن هذه الفتاة قد تأخذ حيِّزاً من تفكيره في يوم من الأيام .
و مرت الأيام و كانت أشواق بين فترة و أخرى تسأل عن أمل ، و عن أخبارها ، حيث أن أخاها كان يذهب إلى القرية بين فترة و أخرى ، و كان يوصل أخبار كلٍّ من الفتاتين للأخرى فتاتنا ذات السبعة عشرة ربيعاً و الأخرى ذات العشرين ربيعاً .
كان فارس يدخل المنتدى كل يوم و يقرأ كتابات فتاتنا التي تدل و لا شك على إيمانها و التزامها ، فبدأ يعجب بها ، و أما هي فقد كانت تمر على كتاباته و تقرأها و تُعجب بها ، و لا تدع قصيدةً أو نثراً مما يكتب إلا و تقرأها و تضع تعليقاً عليها ، و في كل مرة تجد تعليقاً لرائد في أحد الأقسام يُراودها الفضول لمعرفة ما يكتب ، فتضع تعليقاً على تعليقه ، كان الأمر يسرُّها و يبهجها ، و استمر الأمر على هذه الحال .
و لكنَّ رائد ازداد إعجاباً بها و بدأ يبحث عن وسيلة لإخبارها ، و كل يوم كان يزداد إعجابا بها و بإيمانها و التزامها من خلال تعليقها و كتاباتها و أدبها ، و في النهاية قرر أن يخبرها من خلال بريد أخته ، و قام بذلك و خطا أول خطوة لطريق الألم و المعاناة ، أما أشواق فقد كان ردها إيمانياً وجهتهُ من خلاله إلى ما فيه الصواب و إلى ما فيه الخطأ ، و هذا الأمر زاد من إعجاب رائد بها .
و في كل رسالة كانت أشواق ترد فيها على رائد ، كانت تسأل عن أخبار أمل و لكن دون جدوى ، فَفِكرُ رائد كان مشغولاً بما يدور بينه و بينها ، لذلك قررت أن تتصل و تسأل على أمل ، و بدأت بالبحث فلم تجد بين يديها سِوى رقم أخيها ، إنه رقم رائد ، و لم تدري ما تفعل حينها ، فقررت في خلدها أن تتصل و تسأل عن أمل دون ان تُفصح عن هويتها ، و توجهت إلى الهاتف النقال الخاص بقريبتها و اتصلت منه بعد أن استأذنت ، و ما ان رد عليها الطرف الآخر على الهاتف بتحية الإسلام التي اعتادت عليها ، حتى همت بالسؤال عن صديقتها ، و حينها اكتشف الطرف الآخر هويتها لأنها سألته عن نفسه قائلة : هل أنت أخ أمل ؟ فأجابها مسرعاً : أجل و أنتِ أشواق أليس كذلك .!!!؟؟؟
و لإن فتاتنا لم تعتد على الكذب فقالت دونما شعور بسبب صدمتها لمعرفته لها : أجل .
و بعد ذلك تم إنهاء المكالمة بسرعة .
و في اليوم التالي وجدت أشواق رسالة من رائد يشكرها من خلالها على اتصالها به و يصف لها مدى سعادته بسماعها ، و أيضاً كان رد فتاتنا بالنصح الإرشاد ، و هي في قرارة ذاتها كانت ترى أن ما فعلتهُ خطأٌ فادح .
و استمرت مراسلاتهما على هذا المنوال يحكي عن مشاعره و عن إعجابه بها و بِخُلُقها و دينها و حيائها ، و حرصها على إرضاء ربها و هي تجيبه بإيمان و أدب دون أن تمس مشاعره أو تسبب له الألم، و في النهاية أخبرتهُ عن حقيقة الأمر و مدى الخطأ في المراسلات بين شابٍ و فتاة يجهلان بعضيهما و يتراسلان دون علم أهلهم و هذا في الإسلام خطأ و حرام، و ان الخيار الوحيد أمام الشاب الذي يعجب بفتاة هو أن يعقد عليها قرانه و يكلمها متى شاء دون أن يغضِبَ الله تعالى ، فإما هذا الخيار و إما أن يتركها وشأنها لتعيش حياتها دون أن يؤذيها أو يؤذي سمعتها .
و مما أدهش أشواق الرسالة التي وجدت فيها رداً على كلامها هذا ، فقد أبدى رائد رغبته في طلبها من والديها ، و هنا رأت أشواق أنها قد علقت في ساحة صغيرة ، فهي مهما يكن لا تملك القدرة على اخبار والديها بالأمر ، و حتى إن كانت تملك المشاعر الصادقة نحو هذا الإنسان .
فبدأت رحلتها مع بذرة الحب الصغيرة التي استقرت في قلبها الدافئ الحنون ، و صارت تنمو مع كل دقيقة تمر ، و قد كان في ردها على رسالة رائد حدَّة و تعجب ، مما أدى إلى أن رائد الذي عقد العزم على طلبها أن يحزن كثيراً و يتعب من ردها ، فقد كانت ردودها عليه كالسيف الذي يخترق قلبه و يمزق شرايينه بشراسة .
و عندما شعرت أشواق بأنها قد أخطأت في ردها عليه ، اتصلت به حتى تعتذر إليه عما آلمه من كلماتها ، و ما إن سمعت صوته حتى أدركت مدى الحزن الذي ألم به ، فاعتذرت إليه ليخبرها حينها بأنه قد بدأ بكتابة قصيدة شعرية غزلية و صادقة تحكي عن مشاعره اتجاهها .
و بعد مدة قصيرة قام رائد بكتابة قصيدته هذه في المنتدى الأدبي ، و بالتأكيد لم يُشر رائد لمن قد وجه هذه الكلمات ، لأنه لا يريد أن يسيء لمن يحب ، أما فتاتنا أشواق فقد أثنت على كلماته و أعجبت بها ، و لكنها أدركت مدى حبِّ رائد و تعلُّقِهِ بها ، مما جعلها قلقة حيال ذلك ، حينها بعثت له برسالة تخبره بها عن مدى خوفها من تعلقه بها ، و هذا ما لم يتوقعه رائد منها ، و ذلك جعل الألم يعود مرة أخرى ليسري في قلب رائد , حيثُ شعر و كأنها تهرب منه .
و من رده على ما كتبته له أدركت ما حصل له و شعرت بالأمر ، فسارعت حينها لكي تتصل و تعتذر بعد أن كانت قد كتبت له قصيدة اعتذار و بعثتها له ، و هو حالما رآها حتى طار من السعادةِ و الفرح من كلماتها ، و التي ظهر من خلالها ما تكنه فتاتنا في صدرها لرائد .
و بعد أن كتب كل واحدٍ منهما قصيدة كشف فيها عن خبايا نفسه للطرف الآخر ، ازداد تعلق كل منهما بالآخر و تكررت محادثتهما بعد ذلك ، و بدأ كلٌ منهما يعرف الآخر اكثر فأكثر ، و طبعاً فتاتنا لم تتخلى عن إيمانها و خلقها ، فكانت في كل محادثة لهما تنصحه و توجهه و تحاول أن تجد معه الوسيلة المناسبة حتى يكون تواصلهما شرعياً دون أن يتعرض أحدهما للصد من ذويه و أهله .
و بدأ العام الدراسي و بدأت أشواق بالذهاب للمدرسة في عامها الدراسي الأخير في الثالث الثانوي ، و كانت لا تزال على تواصلٍ مع رائد ، و شيئاً فشيئاً بدأت بالشعور بالذنب حيال ما تفعله فهي تخون والديها في محادثة شاب غريب دون دراية منهما ، و توجهت إلى رائد و أخبرته بما بدأت تشعر به ، فحاول رائد مساعدتها ولكنه كان يجهل السبيل لذلك .
و مرت الأيام تباعاً على فتاتنا و رائدها ، و أقبل كلٌ منهما على الصلاة و العبادة و التقرب من الله وخصوصاً أن شهر رمضان قد بدأ ، ومرت فترة طويلة دون أن يتحدثا ، و بدأ كل منهما يشعر بالحنين للطرف الآخر ، و لم تعد أشواق تقوى على عدم محادثته وخصوصاً أن القلق بدأ يزداد في داخلها عليه ، و أخيراً اتصلت به وتحدثت إليه و كان هو أيضاً قد احترق من صميم قلبه لبعدها .
وتحدثا يومها وقد كان كل منهما يحاول أن يعبر للطرف الآخر عن مدى شوقه ولكنَّ الحزن كان يعترياهما ، لأنهما كانا يعلمان أنهما يخطئان ، ولكن ما باليد حيلة ، فرائد كان وضعه المادي أصعب من أن يستطيع التقدم بطلب يد أشواق ، فقد مرض والده و سقطت كل مسؤوليات أسرته على عاتقه وحده ، فكان هذا من أصعب ما مرَّ به ، و كان عزاءه الوحيد هو أن هناك فتاة تحبه وتتمناه زوجاً لها ، و في الوقت نفسه كان الأمر مؤلماً له ، فقد أجبرها على أن تخون والديها .
و بعد عدة أيام كانت تلك الليلة التي جمع ضوء قمرها فتاتنا بفتاها قرب المسجد … أجل اجتمعا قرب المسجد الذي توجَّها إليه كي يقيما ليلة القدر ، فقد كان رائد يود أن يقيم ليلة القدر وحده في منزله ، ولذلك حاولت فتاتنا أن يتوجه لأقرب مسجد من منزله ، فمهما كان ستكون الصلاة مع الجماعة أفضل و الدعاء أجمل والخشوع أعلى درجة ، وبعد أن يئست تذكرت أنها ستذهب لتقيم ليلة القدر في مسجد قريب من منزلها برفقة صديقتها ، وحينها طلبت منه المجيء وقالت له أنها ستكون موجودة هناك ، فشجعه ذلك على المجيء .
و لم يدر صاحبنا كيف مضت اللحظات حتى وصل للمسجد و انتظرها وفجأة وإذ به يرى فتاة تخرج و النور يبرق من عينيها و قد سقطت عيناها على عينيه مباشرة ، فأدرك أنها أشواق و نظراته لها جعلتها تدرك هويته .
فسارت فتاتنا نحوه و أشارت عليه بالتوجه إلى داخل المسجد وطلبت منه أن يجعل ليلته هذه و صلاته خالصة لله دون أي تفكير بالدنيا و ما فيها .ومن ثم ذهب كلٌّ منهما إلى المكان المناسب في المسجد .
و هذه كانت المرة الأولى التي يجتمع فيها أشواق و رائد ، و بعد عدة أيام أقبل العيد ، و انتشرت البهجة على الوجوه ، وفي صباح العيد تحدثت أشواق مع رائد، و السعادة قد غمرتها ، و قد قررت أن تزور صديقتها بعد أن حدثتها على الهاتف أثناء شهر رمضان ،و قد حددت في ثالث أيام العيد مع رائد أن ينتظرها مع أخته التي كانت في آخر المرحلة الإعدادية ، ومن ثم يتوجه الجميع إلى بيت صديقتها أمل و التي كانت متزوجة و قد أنجبت خلال شهر رمضان فتاة صغيرة كالبدر جمالاً .
ويومها حين وصلت فتاتنا أشواق إلى حيثُ اِتُّفق ، رأت رائداً من بعيد و بقربه أخته وما إن رآها حتى أدار ظهره و مشى لأنه كان حريصاً كل الحرص على سمعة أشواق فلم يكن يريد أن يراها أحد تسير قريبةً منه ولم يكن يريد إحراجها أيضاً ، وبقيت أخته التي تدعى بتول بانتظار أشاق ، وبعدها سارت الفتاتان خلف رائد الذي كان قد سبقهما بأكثر من خمس أمتار ، و حين وصلوا كان قلب أشواق يرفرف من شدة سعادتها لأنها و أخيراً قد التقت بالفتاة التي أحبتها و أعجبت بها ، و قضت الفتاتان لحظاتٍ جميلة معاً ، وبعد عدة ساعات عادت فتاتنا إلى من موعدها مع صديقتها .
بعد عدة أيام قضتها فتاتنا في محادثة أشواق ، حيث كانت تحادثه كل يوم مرتين ، شعر رائد بالذنب لما يفعله بتلك الفتاة و جعلها تخون والديها ، و لكنه أحبَّها ، فما الحل ، فكر وفكر و فكر و في النهاية قرر أن يوقف محادثتها حتى يحين الوقت الذي يستطيع فيه أن يطلبها من أهلها ، و عندما حدثها بالأمر حزنت أشواق و اغرورقت عيناها بالدموع ، فقلبها قد تعلَّق به ، و لم تطيق بعده ، فقال لها جملةً كانت بلسماً لقلبها ألا و هي ” كيف لنا أن نصل لما نريد و نحن نعصي الله و من أين لنا التوفيق ” و قد قررا أن يقللا من محادثاتهما شيئاً فشيئاً ، و في بادئ الأمر اتفقا على مرة كل أسبوع .
و مرت الأيام و كانت أشواق تُقاسي كثيراً من الأمر ، أما رائد فقد كان يكتم مشاعره في صدره و يري فتاتنا حزمه و جموده و التزامه بالقرار ، مع أنه هو أيضاً كان يُقاسي المرارة و الألم ، و المعاناة التي يراها في حياته الصعبة التي يعيشها .
و مع مرور الوقت كانت أوضاع رائد المادية تسوء أكثر فأكثر , و حالة أشواق النفسية تسوء أيضاً , فهي لم تعد تستطيعُ أن تنجز شيئاً في دراستها , فعقلها مشغول في البحث عن حل .
و مرَّ الوقت و هما على نفس الحال و في نهاية الفصل الدراسي الأول , كان تأنيب الضمير قد صار أمراً غير محتمل , فالخيانة أمرٌ صعب , حينها عقدت أشواق العزم على عدم محادثتها لرائد , فأخبرتهُ بالأمر و اتفقا على قطع التواصل القائم بينهما منذ بداية الفصل الثاني .
و لكن في نهاية ذلك اليوم حدث ما لم يكن بالحُسبان , حيثُ كانت أشواق جالسةً في غرفتها كعادتها , و لكن في هذه المرة كانت تكتب شيئاً لم تُقدم على كتابته من قبل , لقد كانت تكتب مشكلتها مع رائد , و فجأة دخلت أمها إلى الغرفة , عندها حاولت أشواق إخفاء دفترها , فلاحظت أمها الأمر و أصرت عليها بإعطائها الدفتر و إخبارها بما كانت تكتب , و عندما قرأت أمها ذلك جُنَّ جنونها , و لكنها لم تصرخ في وجه ابنتها أشواق , بل قالت لها جملة واحدة صغيرة هزت أشواق , حيث قالت ” لقد فقدت مكانتك و ثقتك عندي يا أشواق ” و خرجت من غرفة أشواق . , حينها لم تدري أشواق ما العمل فأرسلت رسالة إلى رائد أخبرته بأنَّ أمها و علمت بالأمر و من ثمَّ
جلست أشواق في زاوية الغرفة تبكي بحرقة , شعرت بشيءٍ يقطِّعها من الأعماق , و لم تعد ترغب في التحدث إلى أحد ,أو النظر في وجه أحد , و لم تذهب إلى الامتحان الذي يلي تلك الليلة , التي لم تستطع فيها أن تغمض جفناً .
و انتهت الامتحانات و لم تستطع أشواق أن تتحدث إلى رائد أبدا , كانت تبكي كل يوم وحيدةً في غرفتها و في كلِّ مرة كانت أمها تراها فيها تبكي كانت تؤنبها .
و بعد أسبوعين , اتصلت على أخت رائد الصغرى و التي كانت تدري بالتواصل الذي كان قائماً بينها و بين رائد , فسألت أشواق عن رائد , وحينها كادت أخته أن تبكي و هي تسأل أشواق عن سبب الإرهاق الدائم و الشديد البادي على رائد طوال الوقت ….
و حينها قامت أشواق بإخبار بتول بكل شيء و ذلك بعد إصرار بتول الشديد على ذلك .
و عند ذلك حاولت بتول مساعدة أشواق على محادثة رائد الذي كان طوال الوقت يحاول الهرب من محادثة أشواق , و ذلك لأنها جعلته يعيش في وديان من الضياع اللامتناهي , و لم يكن يدري ماذا حل بأشواق , و ذلك أثار في نفسه الغضب الشديد .
و بعد محاولاتٍ مريرة تمكنت أشواق من محادثة رائد , و أخبرته بكل شيء , فضاق صدره من الأمر , و بعدها عاد رائد رويداً رويدا إلى طبيعته , و عادت المياه إلى مجاريها .
و فكر رائد جيداً و وجد أن بعدهما عن بعضهما هو الحل الوحيد لمشكلتيهما , و هذا في الوقت الحالي فقط , أي حتى تنهي عامها الدراسي , و اتفقا على ذلك .
و هنا بدأت المعاناة الحقيقية بالنسبة لأشواق , فهي لا تزال صغيرة , و الأمر صعب عليها احتماله, فانقطع التواصل بينهما .
و مرت الأيام و كانت أشواق تعاني الويلات من وحدة غمرتها بعد بُعدها عن رائد , و لكن في الوقت نفسه كانت تحاول أن تتماسك , فهي لم تعتد على الاستسلام .
و ها هي الامتحانات قد اقتربت , و قد مرَّ على توقف تواصلهما أربعة أشهرٍ , و كان البعد نار بالنسبة لأشواق
و كانت بصعوبة تتمالك نفسها و تصمد , و لكنها كانت في كل لحظاتها حزينة , و كانت في بعض الأحيان تحبس نفسها في غرفتها , و تجلس في زاوية الغرفة , و تسند ظهرها إلى الجدار , و تتأمل الماضي , و تقول في نفسها : أيعقل أن يكذب عليَّ رائد … أيعقل أن يستغلني كما قالت أمي … و لكنه لو أراد ذلك لفعل ما يريد منذُ أن حادثني أول مرة … لا أعلمُ … لا أفهم شيئاً … و الأمر الوحيد الذي أفهمه و أعلمه هو أنه صادق … و ما أنا مُتَيقنَةٌ منه أنه يحبني كما أحبه … و أنه لا يمكن أن يتخلى عني … و لكن أخشى ألا يوافق أبواي على طلبه لي بعد إنهائي لهذا العام … ومما يخيف أكثر هو حاله المادية التي تسوء أكثر فأكثر … و هذا يزيد من تضاؤل إمكانية موافقة والدي … يا إلهي ما هذا …. أكادُ أجن ” …. ثمَّ أخفت رأسها في كفيها , و بدأت تبكي و تقول ” …. لا لا لا …. لا أريدُ أن أفقده … لا أريد .
كانت تعاني و في كل مرة تحدث نفسها بالكلمات ذاتها , و ينتهي بها المطاف إلى دموعٍ تغرق وجهها .
و بدأت الامتحانات و لا زالت حالُ فتاتنا كما هي … و تمكنت في هذه الفترة من أن تتمالك نفسها أكثر , لكي تتمكن من تقديم الامتحانات على أكمل وجه .
و بعد أن أنهت معظم الامتحانات , و لم يبق لها سوى امتحانان … عادت يومها من الامتحان و كان الإرهاقُ بادٍ عليها , فتوجهت مباشرةً إلى سريرها لتستريح , فما إن استقرت عليه حتى أغمضت عينيها , و عادت للتفكير فيه …. أجل عادت للتفكير في الإنسان الذي أحبته , و في الوقت نفسه كانت تكرر الكلمات التي كانت أساس صمودها و عونها على الصبر طوال هذه الشهور , ألا و هي ” لن أُغضب الله … لن أقوم بعملٍ خاطئ … لا …لا ” و استمرت في قول هذه الكلمات حتى أسرتها أحلام النوم في عدة دقائق , لتستيقظ بعدها و تقوم من سريرها متوجهةً إلى الهاتف , فاتصلت به , و حدث الأمر دون أن تشعر , و ما إن سمعت صوته حتى أدركت ما تقوم به , حينها التزمت الصمت , فباشرَ رائد قائلاً في دهشة :
_ أشواق أهذه أنت … أشواق أهذه أنتِ حقاً , إنني حقاً لا أصدق أنني أسمع صوتك بعد كلِّ هذه المدة .
و حينها أجابته ببعض الكلمات العادية , و في هذه اللحظة بعثَ لها رسالة إلى هاتفها النقال و كتب فيها كلمة هزت أشواق من رأسها إلى أخمص قدميها و التي قال فيها كلمتين لا غير و هما ” اشتقتُ إليك ”
و بعدها انقطع خط الهاتف بسبب مشكلة كانت قائمة في جهاز الهاتف الذي كانت تتحدث منه أشواق , و حينها اتصل رائد على هاتفها النقال فأخبرتهُ بأمر الهاتف , ثمَّ اتفقا أن يفتحا مساءً الانترنت ليتحدثا على الماسنجر , و بعدها أنهيا المكالمة .
و هنا بدأت حلقةُ عذابٍ جديدة اجتاحت صدر أشواق , حيث عادت إلى غرفتها و هي تفكِّرُ بما جرى , و بدأت تشعر بذنبٍ شديد , فلم تعرف ما الذي تفعله , فتوجهت مباشرةً إلى جهاز الكمبيوتر و فتحت الانترنت و بعثت رسالة اعتذرت فيها من رائد على ما فعلته و أخبرته بأن ما فعلاه قد أغضب الله عليهما , و قد أشارت عليه بأن يتقدم لخطبتها من والديها , فهذا أفضل ما يمكن له أن يفعله , و قد عاتبته عتاباً أحرق قلبه .
و بعد عدة أيام من الضياع الذي عاشته أشواق , أنهت امتحاناتها .
و هنا عادت إلى كتابة الشعر كما كانت سابقاً و كانت تفتح الانترنت بين فترةٍ و أخرى , و لكنها لم تكن تجد أثراً لرائد في المنتدى و لا أي مكان , فبدأت تقلق , فاتصلت به لتطمئن عليه و لتخبره ما عليهِ فعله قبل كل شيء ، و عندما سمعت صوته , كادت أن تنهار فقد شعرت بأنه ليس على ما يُرام و خصوصاً عندما سألته عن صحته و أحواله , و حينها كان ردُّهُ كالنار التي أحرقت قلبها , حيثُ قال ” لا أتوقع أنَّ أمري قد يُهمك ” , فشعرت حينها بألم شديد , و بعدها أخبرها أنه مشغول و لا يمكنه التحدث إليها في هذا الوقت , و طلبَ منها الاتصال به حين يعود إلى منزله مساءً .
و في المساء اتصلت به , و استجمعت شجاعتها و قالت :
_ رائد … ليسَ هناك من حلٍّ آخر … عليكَ أن تتقدم بخطبتي في أقربِ وقت … أرجوك يكفينا ألماً و معاناة .
فأجابها :
_ أشواق … أرجو أن تفهمي الأمر … أنا لا يمكنني أن أتقدم بخطبتك من والديكِ بسبب الوضع المادي السيئ و الذي يسوء أكثر فأكثر …
_ رائد أرجوك حاول فأنا … فأنا لم أعد أستطيع البقاء دون أن أكون معك … أو دون أتحدث إليك … رائد أرجوك
_ اسمعيني يا أشواق … أنا أيضاً … أنا أيضاً لم أعد أقوى على هذه الحال … و لكنك بالنسبةِ لي من الناحية المادية ابنة ملك … لن أستطيع أن أفعل شيئاً … أرجوكِ اعذريني … و صدقي لو أنني كنتُ أعلم بذلك لما دخلتُ إلى حياتك و آلمتك .
_ رائد لا تقل ذلك
و بدأ صوتها يختنق شيئاً فشيئاً … و هي تحاول أن تتابع ً ما بدأته قائلة :
_ أنا لا أهتم بالمال و لا بالدنيا … أنا لا يهمني شيء من ذلك …
فقاطعها و قال بصوتٍ حاد يخفي خلفهُ حُزناً مرير :
_ لكن أهلك يهمهم هذا … و لكن لا عليك سأسعى بالمحاولة لإقناعِ والديكِ بالأمر .
_ حسناً , و أنا سأدعو ألا يتطرق والدي لأي أمر يخص المال .
و انتهى حوارهما و أغلق كل منهما حط الهاتف و هو يلتهم في صدره جُرعةً من القهرِ و الألم .
و في مساء اليوم التالي سمعت أشواق بالمصادفة كلاماً كان يدور بين والديها , و فهمت منه أنما لن يقبلا بأي شخص غريب عن وسطهما من الناس يتقدم لها أو لأخواتها , و في هذه اللحظة ذهبت أشواق إلى غرفتها , و أوصدت الباب خلفها و بدأت تبكي فوالديها لن يقبلا برائد أبداً , لأن جميع الشروط التي يريدُ والداها أن تكون في من سيخطبها ليست موفرة في رائد , و في هذه اللحظة بدأت تقول في نفسها :
_ لن يتمكن من أن يطأ بابي حتى … لقد انتهى كُلُّ شيء … و ما زاد الطين بله أن أمي تعلم بأمره … و هو في نظرها شخصٌ سيِّء … ” فجلست على الأرض و بدأت تبكي و تضرب بيديها على الأرض و تقول ” لن أسمح بأن يزجَّ نفسه في موقِفٍ كهذا .. . لا لن أسمح … لا أريدُهُ أن يتألم … و لكن ماذا أفعل … ماذا .
و بعد ذلك بقيت جالسةً في مكانها تبكي وحدها و تشتهي لو أنها تستطيع أن تصرُخَ في وجه رائد و تُبعِدُهُ عنها , كي لا يتألم , و في النهاية قررت أن تطلبَ منهُ تأجيلَ أمر طلبها من والديها حتى يحين الوقت المناسب .
و في اليوم الثاني قامت بما عزمت عليه … و من ثمَّ أغلقت الهاتف و بدأت بالبكاء بشدة .
و مرَّت الأيام و أشواق تعيش في بركةٍ من الألم و الضياع … تعيشُ وحدها و قد سجنت نفسها في غرفتها , و كلُّ شخص كان يطرقُ باب غرفتها كانت تخبره بأنها مشغولة في كتابةِ قصة , و لكن لم يكن أحدٌ يعلم بأنها كانت تكتُبُ قصَّةَ معاناتها .
كتبت قصتها … و من شدة ألمها فقدت شهيتها للطعام … و لم تعد تستطيعُ أن تضعَ أيَّ شيءٍ في فمها … و مرت الأيام و أنهت أشواق كتابة قصَّتها هذه , أنهتها في ليلة معتمة ليس فيها بصيصُ أمل أو وهجُ نور ., بعد دفائق قضتها واقفةً أمام نافذة غرفتها , أغلقت النافذة , و توجهت نحو المرآة لترى حينها ما قد حلَّ بها , لقد أصبحَ جسدها هزيلاً جداً و وجهها أصفر , لقد أكل الهم جسدها و أرهقها , و مع ذلك بقي لجمالها بعض البريق ، فيد كانت فتاةً تملك من الجمال الكم الكبير .
و حاولت أن تُشعلَ وجهها بابتسامة صغيرة , بعد المدة الطويلة التي لم تبتسم فيها , و لكنها لم تستطع , فاستدارت لتسقط على سريرها و تبدأ بالبكاء .
و أشرق الصباح حاملاً معه خبراً رائعاً و هو حصول أشواق على نتيجة جيدة جداً في امتحانات الثانوية العامة , فما إن سمعَ أهلُها بالخبر , حتى توجهوا جميعاً إلى غرفة أشواق ليزفوا لها الخبر , و ما إن فتحوا باب الغرفة حتى وجدوا أمامهم أشواق نائمة و قد تناثرت في غرفتها الأوراق و الدفاتر , فاندفع والدها ليوقظها من نومها و يُبَشِّرها بالخبر السعيد , و لكنَّ أشواق لم تستيقظ , لقد كانت نائمة , أجل نائمة … و لكن كان نومُها هذه المرة أبدياً .
و بعد أن شعر أهلُها بأن أمراً ما قد أصابها , نقلوها مُباشرةً إلى المشفى , و هناك علموا بالفاجعة …. أجل فقد ماتت أشواق , ماتت بعد إصابتها بتجلط في الدم في أحد أوردة القلب , مما أدى إلى وفاتها … و قد أكد الأطباء أن ما أصابها كان بسبب حالةٍ نفسية سيِّئة .
لقد ماتت … هذه الكلمة التي لم يُصدقها أحد … بكت أمَّها عليها بكاءً مريراً و بكى كلُّ من أحبَّها … لقد كان لوجودها تأثيرٌ في حياةِ كلِّ من حولها ., فقد كانت طيِّبَةَ القلبِ جداً … و في النهاية طيبتها هذه أدخلتها في دوامة , دوامة تاهت فيها … فانتهت .
و بعد عدة أشهر من وفاتها وصل الخبر إلى رائد , فانفطر قلبُهُ حُزناً على فُقدانها , و ذهبُ إلى قبرها , و قد حملَ معهُ زهرةً حمراء .. فجثا على ركبتيه و .وضعها على قبرها و قال ” تمنيتُ أن أتزوجك و أهديكِ هذه الزهرة في حفلِ زفافنا … أجل لقد تمنيت “و تناثرت دموعُهُ من عينيه خاتمةً لهذه القصة الحزينة . و عاد إلى بيته و هو لا يزالُ يتمتم قائلاً ” أجل … تمنيت “